العيني
134
عمدة القاري
وقيل : المالك أبلغ في الوصف لأنه يقال : مالك الدار ومالك الدابة ، ولا يقال : ملك إلا لملك من الملوك . وقيل : ملك أبلغ في الوصف لأنك إذا قلت : فلان ملك هذه البلدة يكون كناية عن الولاية دون الملك ، وإذا قلت : فلان مالك هذه البلدة كل ذلك عبارة عن الملك الحقيقي . وقال قطرب : الفرق بينهما أن ملكا الملك من الملوك ، وأما مالك فهو مالك الملوك ، وقد فسر الملك في القرآن على معان مختلفة ، والمعنى ههنا : له جميع أصناف المخلوقات . قوله : ( وله الحمد ) ، أي : جميع حمد أهل السماوات والأرض ، وجميع أصناف المحامد التي بالأعيان والأعراض ، بناء على أن الألف واللام لاستغراق الجنس عندنا ، ولما كان الله مالك الملك كله استحق أن تكون جميع المحامد له دون غيره ، فلا يجوز أن يحمد غيره . وأما قولهم : حمدت فلانا على صنيعه كذا ، أو حمدت الجوهرة على صفائها ، فذاك حمد للخالق في الحقيقة ، لأن حمد المخلوق على فعل أو صفة حمد للخالق في الحقيقة . قوله : ( وهو على كل شيء قدير ) ، من باب التتميم والتكميل ، لأن الله تعالى ، لما كانت الوحدانية له والملك له والحمد له ، فبالضرورة يكون قادرا على كل شيء ، وذكره يكون للتتميم والتكميل ، والقدير اسم من أسماء الله تعالى : كالقادر والمقتدر ، وله القدرة الكاملة الباهرة في السماوات والأرض قوله : ( لما أعطيت ) أي : الذي أعطيته ، وكذلك التقدير في قوله : ( لما منعت ) أي : الذي منعته . قوله : ( ولا ينفع ذا الجد ) الجد ، بالفتح : الغنى ، كما فسره الحسن البصري على ما يأتي ذكره عن قريب ، وكذا قال الخطابي ، ويقال : هو الحظ والبخت والعظمة ، وكلمة : من ، بمعنى البدل ، كقول الشاعر : * فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على الطهيان * يريد : ليت لنا بدل ماء زمزم ، والطهيان اسم لبرادة . قلت : الطهيان ، بفتح الطاء المهملة والهاء والياء آخر الحروف : خشبة يبرد عليها الماء ، ويروى : فليت لنا من ماء حمنان شربة و : حمنان ، بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وبالنونين بينهما ألف : اسم موضع . وقال الجوهري : معنى : منك ، هنا : عندك ، أي : لا ينفع ذا الغنى عندك غناه ، إنما ينفعه العمل الصالح . وقال ابن التين : الصحيح عندي أنها ليست للبدل ، ولا بمعنى : عند ، بل هو كما يقول : لا ينفعك مني شيء إن أنا أردتك بسوء . وقال الزمخشري في ( الفائق ) : من ، فيه كما في قولهم : هو من ذاك ، أي : بدل ذاك ، ومنه قوله تعالى : * ( لو نشاء لجعلنا منهم ملائكة ) * ( الزخرف : 60 ) . أي : المحفوظ لا ينفعه حظه بدلك أي بدل طاعتك ، وقال التوربشتي : لا ينفع ذا الغنى منك غناء ، وإنما ينفعه العمل بطاعتك . فمعنى : منك ، عندك ، وقال ابن هشام : من ، تأتي على خمسة عشر معنى ، فذكر الأول والثاني والثالث والرابع ، ثم قال : الخامس البدل نحو : * ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) * ( التوبة : 38 ) . * ( لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ) * ( الزخرف : 60 ) . لأن الملائكة لا تكون من الأنس . ثم قال : ( ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) أي : ولا ينفع ذا الحظ حظه من الدنيا بدلك ، أي : بدل طاعتك ، أو بدل حظك ، أي : بدل حظه منك . وقيل : ضمن : ينفع ، بمعنى : يمنع ، ومتى علقت من بالجد انعكس المعنى . وقال ابن دقيق العيد : قوله : ( منك ) ، يجب أن يتعلق : بينفع ، وينبغي أن يكون : ينفع ، قد ضمن معنى : يمنع ، وما قاربه ، ولا يجوز أن يتعلق : منك ، بالجد . كما يقال : حظي منك كثير ، لأن ذلك نافع . ثم الجد ، بفتح الجيم في جميع الروايات ، ومعناه : الغنى ، كما ذكرناه . وحكى الراغب : قيل : إن المراد بالجد أب الأب ، وأب الأم ، أي : لا ينفع أحدا نسبه ، كقوله تعالى : * ( فلا أنساب بينهم ) * ( المؤمنون : 101 ) . وقال القرطبي : حكي عن ابن عمر والشيباني أنه رواه بالكسر ، وقال : معناه لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهده ، وأنكره الطبري ، وقال القزاز في توجيه إنكاره : الاجتهاد في العمل نافع لأن الله قد دعا الخلق إلى ذلك ، فكيف لا ينفع عنده ؟ قال : فيحتمل أن يكون المراد الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع أمر الآخرة . وقال غيره : لعل المراد إنه : لا ينفع بمجرده ما لم يقارنه القبول ، وذلك لا يكون إلاّ بفضل الله ورحمته . وقال النووي : المشهور الذي عليه الجمهور فتح الجيم ، ومعناه : لا ينفع ذا الغنى منك غناه ، أو لا ينجيه حظك منه ، وإنما ينفعه العمل الصالح . ذكر ما يستفاد منه : فيه : استحباب هذا الذكر عقيب الصلوات لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد ، ونسبة الأفعال إلى الله تعالى ، والمنع والعطاء ، وتمام القدرة وروى ابن خزيمة من حديث أبي بكر : ( أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان يقول في دبر الصلوات : اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر ) . وروى